الصلاة بين المسيحية والإسلام من المنظور النظرى والعملى

إن شعيرة الصلاة من أهم العبادات التى جاءت بها الشرائع السماوية فلم تخل منها أى شريعة سماوية. وهذا المفهوم تؤكده الرسالة الخاتمة رسالة الإسلام كما جاء في القرآن:

“لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ”(67:22)

والقرآن الكريم لم يعرض لتفصيلات هذه العبادة كثيرا في الإنجيل والتوراة ولكن ألفت إلى وجود تلك العبادة وإلى ركوع مريم مع الراكعين: (43:3)

“يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ”(43:3) “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ  إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ﴿٥٤﴾ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا”(19/54-55)،

ويقول القرآن عن عيسى بن مريم-عليه السلام-:

“قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّـهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا” (19/30-32). 

إن المتصفح لأوراق الكتاب المقدس يرى تباينا كثيرا بين ما عليه الشعائر المسيحية اليوم، وما سطر في ذلك الكتاب. لذا يهدف هذا المقال إلى استكشاف عبادة الصلاة في الكتاب المقدس ومناقشة ذلك في ضوء رسالة الإسلام.

صلاة كنسية

بالنظر في الكتاب المقدس نرى أن الصلاة قد ذكرت كثيرا فيه وغالبا ما جاءت في معرض التضرع إلى الرب أو سؤال الحاجة:

رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 1: 11:

“وَأَنْتُمْ أَيْضًا مُسَاعِدُونَ بِالصَّلاَةِ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يُؤَدَّى شُكْرٌ لأَجْلِنَا مِنْ أَشْخَاصٍ كَثِيرِينَ، عَلَى مَا وُهِبَ لَنَا بِوَاسِطَةِ كَثِيرِينَ”.

لكن المفهوم الإسلامى للصلاة ينضبط كثيرا بالمقارنة بالمفهوم المسيحى فالإسلام يفرق بين المفهوم اللغوى للصلاة بمعنى الدعاء والصلاة كشعيرة عبادية تعمل على وصل المخلوق بالخالق. وقد جاء الخلط في الكتاب المقدس بين المعنيين فنفتقد الطقوس العملية لشعيرة الصلاة في الكتاب المقدس ولا نجد إلا مثل تلك العمومات التى لا تروى ظمأ العطشان ولا تروى غليله من تلك العبادة.

لقد جاءت بعد الملامح لبعض الصلوات في الكتاب المقدس والتى تظهر التناقض الشديد بين ما قررته الكنائس المعاصرة من صلوات وما حددته لأتباعها من طقوس في تلك الصلوات، فبمطالعة الكتاب المقدس نرى تشابها في بعض الطقوس مع شعيرة الصلاة في الإسلام والتى نحتها الكنائس اليوم جانبا.

لقد نهى عيسى عليه السلام عن المظاهر الجوفاء في العبادة:

” وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك، وأغلق بابك وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء؛ فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانيةً” (متى 6: 6)

ونرى في الكتاب المقدس سجودا:رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس (2: 8)

“فَأُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، رَافِعِينَ أَيَادِيَ طَاهِرَةً، بِدُونِ غَضَبٍ وَلاَ جِدَال”.

سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 7: 11:

“وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ كَانُوا وَاقِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَالشُّيُوخِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَخَرُّوا أَمَامَ الْعَرْشِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا للهِ”.

سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 14: 7:

“قَائِلًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «خَافُوا اللهَ وَأَعْطُوهُ مَجْدًا، لأَنَّهُ قَدْ جَاءَتْ سَاعَةُ دَيْنُونَتِهِ، وَاسْجُدُوا لِصَانِعِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالْبَحْرِ وَيَنَابِيعِ الْمِيَاهِ»”.

سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 15: 4:

“مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ، لأَنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ سَيَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ».

سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 19: 4:

“وَخَرَّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا وَالأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتِ وَسَجَدُوا للهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ قَائِلِينَ: «آمِينَ! هَلِّلُويَا!»”.

رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 14: 25:

“وَهكَذَا تَصِيرُ خَفَايَا قَلْبِهِ ظَاهِرَةً. وَهكَذَا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَسْجُدُ للهِ، مُنَادِيًا: أَنَّ اللهَ بِالْحَقِيقَةِ فِيكُمْ.”

إنجيل متى 26: 39:

“ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلًا: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ»”.

ونرى في صلواته تسبيحا وتمجيدا واستغفارا:

سفر أعمال الرسل 16: 25:

“وَنَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ كَانَ بُولُسُ وَسِيلاَ يُصَلِّيَانِ وَيُسَبِّحَانِ اللهَ، وَالْمَسْجُونُونَ يَسْمَعُونَهُمَا. وَمَتَّنْيَا بْنُ مِيخَا بْنِ زَبْدِي بْنِ آسَافَ، رَئِيسُ التَّسْبِيحِ يُحَمِّدُ فِي الصَّلاَةِ وَبَقْبُقْيَا الثَّانِي بَيْنَ إِخْوَتِهِ، وَعَبْدَا بْنُ شَمُّوعَ بْنِ جَلاَلَ بْنِ يَدُوثُونَ”.

ونرى وقوفا:

إنجيل لوقا 11:18:

“أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكَذَا: اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ.

ونرى صلاة فردية وصلاة جماعية:

إنجيل لوقا 18: 10:

“إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ”.

“وفي الصبح باكرًا جدًّا قام، وخرج ومضى إلى موضع خلاء، وكان يصلّي هناك” (مرقس 1: 35).

ونرى ذهابا إلى الصلاة وإيابا منها:

سفر أعمال الرسل 16: 16:

“وَحَدَثَ بَيْنَمَا كُنَّا ذَاهِبِينَ إِلَى الصَّلاَةِ، أَنَّ جَارِيَةً بِهَا رُوحُ عِرَافَةٍ اسْتَقْبَلَتْنَا. وَكَانَتْ تُكْسِبُ مَوَالِيَهَا مَكْسَبًا كَثِيرًا بِعِرَافَتِهَا”

كذا نطالع صلوات بالليل والنهار،أما صلاة المساء فكان النصارى يؤدونها قبل أن يأووا إلى فراشهم، وفيها يشكرون الله تعالى على النعمة التي أسبغها عليهم في النهار:

سفر نحميا: 1/6 :

“لِتَكُنْ أُذْنُكَ مُصْغِيَةً وَعَيْنَاكَ مَفْتُوحَتَيْنِ لِتَسْمَعَ صَلاَةَ عَبْدِكَ الَّذِي يُصَلِّي إِلَيْكَ الآنَ نَهَارًا وَلَيْلًا لأَجْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَبِيدِكَ، وَيَعْتَرِفُ بِخَطَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَخْطَأْنَا بِهَا إِلَيْكَ. فَإِنِّي أَنَا وَبَيْتُ أَبِي قَدْ أَخْطَأْنَا”.

إنجيل لوقا 6: 12:

“وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ”

سفر المزامير (42: 8):

“بِالنَّهَارِ يُوصِي الرَّبُّ رَحْمَتَهُ، وَبِاللَّيْلِ تَسْبِيحُهُ عِنْدِي صَلاَةٌ لإِلهِ حَيَاتِي”.

ونرى رفعا للأكف بالدعاء أثناء الصلاة:

سفر إشعياء 1: 15:

“فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا”.

والحقيقة أن العهد الجديد يحتم على المسيحيين اتباع شريعة اليهود في صلواتهم، ففى الكتاب المقدس ها هو عيسى:

“دخل المجمع في السبت، وصار يعلّم. فبهتوا من تعليمه؛ لأنه كان يعلّمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة” (مرقس 1: 21، 22).

سفر أعمال الرسل 16: 13:

“وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ خَرَجْنَا إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ نَهْرٍ، حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ تَكُونَ صَلاَةٌ، فَجَلَسْنَا وَكُنَّا نُكَلِّمُ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي اجْتَمَعْنَ”.

أما وقد حوى الكتاب المقدس كل هذه الطقوس الخاصة بالصلاة فأين الطقوس الكنسية للصلاة اليوم من ذلك كله ولم اقتصرت الصلوات على أيام بعينها حتى غدت كثير من الكنائس البروتستانتية خالية من معمريها بينما يحث الكتاب نفسه على المداومة عليها:

رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي 4: 2:

“وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْرِ”.

سفر أعمال الرسل 10: 2:

“وَهُوَ تَقِيٌّ وَخَائِفُ اللهِ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ، يَصْنَعُ حَسَنَاتٍ كَثِيرَةً لِلشَّعْبِ، وَيُصَلِّي إِلَى اللهِ فِي كُلِّ حِينٍ”.

لقد ركزت الكنائس على التمييز بين صلاة النصراني الذي يعمل والراهب المتفرغ للعبادة، فالأول يشتغل طوال النهار فيتمسك بصلاتي الصباح والمساء فقط، أما الرُّهْبان الذين يعيشون في الأَدْيَرة أو مُنْعزلين فيقيمون الصلوات السبع، وربما يزيدون عليها، ويؤدونها بعمق كالمتصوفة، مستدلين برسالة بولس إلى أهل كورنثوس التي تقول:

“أُصلي بالروح” (كورنثوس الأولى 14: 15).

ويذكرون أن المسيح عليه السلام ترك لهم حرية تلاوة العبارات التي يختارونها، شريطة ألا يخرجوا عن الصلاة التي علمها لهم المسيح عليه السلام.

فهل احتفظ الرهبان بحق التدخل التشريعى حتى في تلك الشعيرة المهمة المتميزة في جميع الأديان! يبدو أن البدعة أيضا قد نالت من هذه الشعيرة في المسيحية مبلغا كبيرا سيما في مجمع نيقية الكنسى الذى أبطلت فيه كثير من شرائع المسيحية لأغراض ما، فلا المسيحيون اتبعوا شريعة اليهود فيها ولا أقاموها حق إقامة كتابهم لها؛ فلا اتبعوا اليهود ولا اتبعوا كتابهم. فكيف للموسيقى أن تدخل هذه العبادة وما علم أن المسيح جعلها في عبادته. ولماذا جعلت كل الصلوات عبارة عن أناشيد والتى -فى بعض الأحيان- تخلو عن معان هادفة؟ ولماذا حددت الكنيسة يوما واحدا لهذه الشعيرة والأنجيل ملىء بالنصوص الموحية بصلوات بالليل والنهار؟

والعجيب أن المجلس الفاتيكاني ما يزال يحدث فيها تعديلات كثيرة، ويُصدرها إلى العالم النصراني الكاثوليكي. ونموذج الصلاة الطقسية التقليدية في الكنيسة الكاثوليكية، صار على النحو التالى: يدخل القِسّ في الكنيسة، فيقوم له الحاضرون تعظيمًا، ويقول (ناويًا الصلاة): باسم الآب، والابن، وروح القدس… وهنا يدور الحوار بين الإمام والجماعة في تقديس الله والثناء عليه، ثُمّ يتقدم الإمام باعترافه بالذنوب والخطايا، ويطلب الدعاء؛ فتدعو الجماعة له، ويحدث مثل هذا مع الجماعة، ثم يرتقي الإمام، ويتلو دعاءً لاتينيًا يسأل الله فيه أن يمحو الخطايا، ويغفر الذنوب، ويتوسل بالسيد المسيح وبالقديسين، وتقول الجماعة: يا عيسى المسيح ارحمنا. ويعقب الصلاة العشاء الرباني، ويُختم ذلك كله بدعاء وجيز، وهنالك تنتهي الصلاة وتنتشر الجماعة.

وتشارك الصلاة في الكنائس البروتستانية، بقسيمها النظاميMethodist والإنجليكاني Anglican الصلاة الكاثوليكية في أجزاء الاعتراف والتوبة والاستغفار، وتجديد الإيمان، وتوثيق العقائد الأساسية، والحمد والثناء، والدعاء، وتلاوة الإنجيل، إلا أنّ أساليبها وصيغها تابعة لمناهج كنائسها المقررة، وتتميز بأشياء هي: 1- عدم استعمال اللغة اللاتينية مطلقًا. 2- صياغة الأدعية كلها في أناشيد وترنيمات تُغنى بألحان مرسومة مقررة. 3- الصمت عند الذكر والأدعية. 4- حذف عبارات مُمْعِنة في تأليه المسيح. والصلاة عند النصارى حَوَالَي سبع صلوات في اليوم والليلة، وهي أنواع: منها صلاة فردية سريَّة، وصلاة عائلية في البيت، ومنها الصلاة العامة في الكنيسة، وأهمها صلاة يوم الأحد، حيث يقرأ الكاهن شيئًا من المزامير أو الكتاب المقدس عندهم، والجميع وقوف يستمعون، وعند نهاية كلّ مقطع يدعون.

إن الدين الإسلامى كرسالة خالدة إلى البشرية جاء ليصحح تلك الأمور ويضعها في موازينها فالصلاة جعلت في دين الإسلام من أهم ركائزه وأركانه وفيها يتلى القرآن الذى حوى قصص الأنبياء ومن بينهم عيسى عليه السلام. وهى بآدابها وسننها كما جاءت عن نبى الإسلام بلا تبديل ولا تغيير. ويستكشف المقال التالى حقيقة الصلاة في الإسلام وكيف أن هذه الشعيرة قد غايرت ما عليه المسيحية التى تغير فيها مفهوم الصلاة كثيرا عن الجادة.


مراجع

موقع طريق الإسلام

 لسان العرب لابن منظور

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

Leave a Reply


This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.